السبت، 18 أبريل، 2015


عزيزتي هديل/

    ابكي احيانا لأسباب اتفه من ذلك، بكيت حين سقطت ذبابة في كوب النسكافيه، بكيت حتى علا صوتي وجاءت امي فزعة تسأل ماذا حدث اجبتها فأخبرتني انها سترميه وتعد لي غيره فرفضت، لم استطع النظر في عينيها يومها لكني اتذكر جيدا نبرة صوتها التائهة بين الخوف والمفاجأة وقلة الحيلة امام موقف لم تعتاده مني، تركتني وقتها وذهبت لتوقظ اختي علَها تجد تفسير لما يحدث عندها او ربما تستطع هي ان تجد تفسيرا عندي.
وبكيت في التاكسي عندما كدت ان افقد توازني بعد دخولي اول محل للتسوق، بكيت لأني لم افقد توازني بعد المحل التالت او الرابع واني قطعت كل هذه المسافة دون جدوى .. رآني سائق التاكسي فتعاطف معي وغيَر محطة الأغاني لمحطة القرآن ورفع الصوت لأبكي دون خجل.

مثل امي انا تماما في تظاهرها بالقوة، لا اتذكر رؤيتي لها تبكي قبل ذلك، ربما مرات معدودة رأيتها تُدمع، ولا استطع نسيان اني تسببت في مرة منها، تركتني وقتها اتحدث ولم ترد، فقط ذهبت لغرفتها واخذت تُدمِع في صمت، سامحتني امي وابتسمت بعد اول قُبلة اعتذار .. نسيت هي الموقف لكني لم استطع نسيانه اومسامحتي عليه.

لم تبكِ امي في وفاة اخوتها او لم تبكِ امامنا على الأقل مثلما لم ابكِ انا عند وفاة جدي التي جاءت مفاجأة للجميع ولا عندما كبرت قليلا وتوفت جدتي رغم قربي لها .. كان عمري تسعة اعوام عندما ايقظتني اختي وابنة عمتي الساعة الواحدة والثلث صباحا تخبراني ان "جدو مات"، وبعقل نصف واعي ونصف مازال يركض في حلم طفولي وبعنين تقاوما الاستسلام للنوم مرة اخرى اعدت نفس الجملة عليهما متبوعة بعلامة استفهام  فأكدا لي الخبر، وقفت في متنصف السلم بين طابقنا وطابق عمتي التي يرقد جدي في شقتها، كانت اول مواجهة للموت حاولت استيعابها لكنه كان اقوى من ضعف جسدي الذي اخذ يرتعش من الداخل متمردا على الموقف ككل، ولأننا نتقن التظاهر بالقوة .. ارتعشت فقط دون ان تسقط دمعة واحدة، اتذكر امي يومها عندما غضبت من اختي لانها ايقظتني ونقلت لي الخبر بتلك الطريقة واتذكرها ايضا وهي تحتضني وتنصحني بالنوم، لكني لم انم يومها ولا الأيام اوالأسابيع التي تلت الوفاة ولم ادخل شقة عمتي لفترة طويلة بعدها وكأنها كانت سببا لما حدث.
تقربت كثيرا من جدتي بعد وفاة جدي وكنت انام معها احيانا، كانت تقص عليَ حكاياتها القديمة وكيف بنت تلك العمارة واشترت تلك الارض .. كيف تعلمت الفرنسية وحدها عندما ذهبت للعيش في باريس فترة لطبيعة عمل جدي وكيف تخطت موت اتنين من اولادها وهم اطفال وكيف هربوا عندما ضربوا المطار وكيف احتموا من غارات السويس وكريت وغيرها .. كانت مثال للمرأة القوية التي استطاعت ان تجمع بين الصرامة والحنان فكان يحترمها الكبار ويهابها الصغار .. مرضت جدتي اسبوعين فقط ثم توفت، لم استطع رؤيتها رغم فارق طابقين فقط بيننا ! .. لم استطع رؤية ذلك الكيان وهو يأكله المرض، اردت ان احتفظ بصورتها الكاملة القوية كما هي، كنت اشاهد التليفزيون عندما شعرت بحركة غريبة في المنزل عرفت منها انها ذهبت، فأغلقت التليفزيون وذهبت للبلكونة ادندن اغنية لا اتذكرها في محاولة لانكار كل شيء وتجهيز نفسي ومعنوي للساعات والأيام الطويلة المقبلة، عاملتني امي في هذا اليوم كفتاة ناضجة وجاءت تعرفني ما حدث لكني لم ارد عليها ولم اقل لها اني اعلم فقط اومأت برأسي وثبت مكاني أُكمل ما بدأته.

لا اعلم ان كانت قوة ام ضعف قوي وصل حد الانكار،ولا اعلم ان كان علي التفاخر بنفسي ام الاشفاق عليها، فقط اتمنى ان تكون امي صاحبة قوة حقيقية وليس صورة مؤقتة تستخدمها لتتظاهر بها وقت الاحتياج.

هديل الحضيف*

السبت، 4 أبريل، 2015

الولد الطموح واصحاب القواقع


الولد اللي انا بدخل اشوف بروفايله كل كام يوم وهو طبعا ما يعرفش واللي معجبة بتحديه لكل حاجة في الدنيا في سبيل انه يعمل الحاجة اللي بيحبها بس رغم صغر سنه واللي لسه عارف يحتفظ ويوازن ويفرق بين الجدية والسخرية ويختار الاوقات المناسبة لكل حاجة فيهم وبيعرف يكتب ويلقي شعر احسن من ناس كتير كتبها موجودة في اكبر مكتبات ودور نشر واللي لما قابلته مرة واحدة وبدأت كلام معاه عن الكلية رد باقتضاب وهروب بجمل اطولها كان 3 كلمات،  قدرت اعرف منهم قبل ما حد يأكدلي المعلومة انه اُجبر على دخولها واللي متأكدة اني لو قابلته دلوقتي تاني بعد ما تمرد على كل حاجة واتجه للحاجة اللي هو عايزها هيبقى رده مختلف تماما وهو بيحكيلي عنها وعن انشطته اللي مش بتخلص فيها لدرجة هتزهقني من الرغي،  كاتب بوست متناقض عن "الناس  اللي بتعرف تنهي العلاقات بحضارية وبتتناقش بهدوء، الناس اللي بياكلوا بالشوكة والسكينة وبيخافوا من برد الشتا .. الناس اللي بتخاف من الصراعات وبتدعي الحضارية واللي بيخافوا يوسخوا ايديهم وهما بياكلوا مانجا .. اللي بيقدروا يرفعوا الخنصر طول ما هما بياكلوا وبيلتزموا بالاتيكيت حتى في أقصى مراحل جوعهم، واللي قادرين على التعايش وحرمان نفسهم من متعة القعدة عالقهوة والعشوائية لخوفهم ان حد يقول عليهم همج" بيقول انه بيحسدهم على صبرهم .. مش عارفة اذا كان حقيقي بيحسدهم على صبرهم ولا بيشفق عليهم لأنهم مش قادرين يستمتعوا بعشوائية زي باقي الناس

اقدر اقولك اني من الناس اللي بتفضل رافعة الخنصر وهي بتاكل واللي كتير بتطلب الأكل في علب التيك اواي عشان بتقلق من نضافة اطباق المطاعم واللي بتقشعر لو شافت حد بيرمي حاجة في الشارع او بياكل او يتكلم بطريقة شايفاها همجية واللي تقريبا بطلت مناقشات عشان مفيش مناقشة بتتم بهدوء واللي بتخاف من حر الصيف وبتحاول تهيء نفسها ليه بشهر قبلها وبرضه بتفشل واللي بتوصف اللي مش عاجبها بكلمة "زفت" واللي مابتعرفش تتعامل مع حد صوته عالي واللي مش مقتنعة ان ممكن حد يدعي على حد بالاسم صراحة كده او ان حد ممكن يعلن كراهيته لحد او يعاديه لدرجة ممكن توصله انه يدي لنفسه حق انهاء حياته تحت اي ظرف، ناس بتدعي التسامح او الحضارية زي ما بتقول رغم انهم ممكن يبقوا اسوأ بكتير من اللي بيدَعوا قدامهم كده.
الناس اللي بتشوف ان الحق المفروض يتاخد من غير طلب وهي عارفة من جواها ان ده غلط واللي بيضايقوا ومش بيقولوا ولما قرروا يقولوا بقى الرد عليها "كبري مخك ده اكيد مايقصدش"، الناس اللي مش بتمشي من غير سماعات الموبايل عشان ماتسمعش اللي جنبها في المترو وهي فرحانة في بياعة الشرابات عشان هتدفع غرامة 75 جنيه وشايفة ان ده ذنبها عشان مارضيتش تغيرلها الشراب لما لقيته فردتين مش لون بعض وماتسمعش سواق الميكروباص وهو بيشتكي من قفل الطرق وان الملك عبد الله لما جه قبل كده كان موكبه ماشي وراهم عادي ويمكن كمان يكون استناهم على ما يقفوا ينزلوا حد في نص الشارع وكمان مايسمعوش الولاد اللي بيقعدوا وراهم في الاتوبيس وهما بيحكوا عن البنات اللي اتعرفوا عليهم من الحفلة الأخيرة بعد ما ابتسمولهم ابتسامة واضح انهم عارفين معناها كويس، وهما هما نفس الناس اللي معظم الوقت بتلبس نظارة الشمس عشان تعرف تخفي نظرات الدهشة والتعجب والاشمئزاز لما  يبقوا واقفين قدام سيتي سنتر يوم الجمعة الساعة 2 الظهر عشان يوقفوا تاكسي فواحد في سن جدهم يوقف عربيته المرسيدس و بكل ثقة يعمل باي ويشاورلهم يركبوا اولما طفل صغير يعلق ببراءة على رسمة السنافر على التي شيرت اللي لابسينه يبتسموله فيغمز بعينه ويطلب بوسة.

بس الناس دي ماتولدتش كده، الناس دي بتبقى فشلت في التعامل مع الواقع فبتحاول تخلق واقع لنفسها، واقع هي بس اللي شايفاه صح حتى لو اقل امتاعا وحتى لو اصعب وارهق كتير من العشوائية  .. قوقعة بيدخلوا جواها وبيشوفوا اي حاجة براها غريبة عنهم مش مهم صح او غلط بس هي بتبقى غريبة وخلاص، قوقعة بيحاولوا يثبتوا بيها مثاليتهم -الصورية- ورفضهم للواقع مش اكتر.

الثلاثاء، 24 مارس، 2015


أكتب لأشرح نفسي لنفسي، إنها طريقتي لفهم الكوارث التي ارتكبها، لترتيب حياتي المبعثرة، لأعير حياتي معني ما*

تؤرقني الكتابة، تؤرقني بعدما كانت فعل الراحة الثاني بعد النوم، اكتب منذ سنوات قصاصات قصيرة في اي ورقة امامي ثم اطبقها واحتفظ بها في محفظتي، لم اقدر يوم على التخلص من حرف اكتبه ولم أكن اعلم حجم تلك القصاصات حتى قررت نقل جميع الاغراض الى محفظة جديدة اهديت نفسي بها نُقش عليها برج ايفيل وطابع بريد فرنسي، فكان علي التخلص من اكثر من ربع المحتويات كي استطيع حكم اغلاقها.
قطَعت صورة البطاقة الشخصية التي احملها معي دائما تحسبا لأي ظرف وورقة دخول المسشفى للعملية وتخلصت من حافظة الكروت ومما انتهت صلاحيته من كروت البنك اوالتأمين وبعض كروت الدعاية والمحلات والاشخاص بعدما اقنعت نفسي -خشية الوقوع في تأنيب ضمير او شعور بقلة الذوق على اقل تقدير- انهم تركوا تلك الوظائف وان ارقام التليفونات تتغير من وظيفة لأخرى واكتفيت بكُتيب آيات واذكار واحد ولكني ايضا لم استطع اغلاقها فلعنتها ولعنت برج ايفيل وفرنسا كلها.
فلا استطيع التخلص من كارنيهات او وصولات مصروفات الكلية ولا التخلص من تذاكر اتوبيس اسكندرية او تذاكر دخول حفلة التنورة او باب زويلة او تذكرة النادي التي تحمل تاريخ يحمله قلبي معها ولا التخلص من كل تلك الأوراق النقدية وتوقيع المدرسين الذي يذكرني دائما بتفوقي ونجاحي في فترة ما  ولا استطيع التخلص من ورقة الشيكولاتة التي اُدين لها بالكثير ولا كل تلك الأوراق الأخرى فكل منها يحمل ذكرى حكاية ما ... يا الله، ادَعي استهلاك التفاصيل لأرواحنا وانا اول من يحتفظ بها.

اتساءل كيف ومتى يمنحون انفسهم الحق للتدخل في حياة الأخرين لهذا الحد ؟ اي درجة من درجات الفضول ممكن ان تصل صاحبها لأسئلة الى اين ومع مَن ستذهبين ؟ اي درجة تجعل شخص لا يراك الا صدفة كل اسبوع  او اكثر يخبرك انهم اخبروه ان معك كتاب ثلاثية غرناطة ويطلب استعارته، من انت ومن هم من اخبروك ؟ ومتى سيفهمون ان الرد بالصمت كافي بأن يَكفُوا ؟ ما الذي يرونه مهما او مختلفا وما الذي يريدونه بالتحديد ؟ اقنع نفسي ان لديهم سبب قوي فلا ارى سوى الفراغ ! كان يزعجني تدخلهم .. اصبح يزعجني ويؤذيني ..

في رسالتها قبل الأخيرة كتبت انها تكره ان تكون كتاباتها إلهاما لكتابة سيئة، لذا وجب الاعتذار عن سوء الكتابة فرسالتك ألهمتني مثلما تلهمني كل الكتابات الجيدة وتجعلني اكن احترام لاصحابها، ألهمتني كثيرا رغم الاختلافات الفكرية التي تملأ محيطا بيننا ولكن صدقي ام لا فقط مررت بنفس ما مررتي به بعد البوابة الملحومة وممر الموت
كنت في الحصة الأخيرة لتعلُم القيادة عندما نسيت تليفوني في السيارة، اردت اجراء مكالمة ولم اجده، اخبرت صديقتي اني نسيته في السيارة ولسبب ما لا استطيع تفسيره حتى الآن حاولت فتح اول سيارة امامي لأبحث عنه ولم اقدر حجم ما افعله إلا عندما علَت ضحكاتها فشكرت الله ان جهازالانذار وقف جانبي ولم يصيح، عدت للمكتب فرأيت المدرب يشير لي به ويخبرني انه كان سيفتحه ليطلب اخر رقم به، شكرته ولم اخبره انه لن يستطيع فتحه لوجود الـ"PIN" .. الاسبوع الماضي وبعد احداث الثلاثاء حيث تأكدت اني سأعيش واموت وانا ادعو الله ان يرزق الناس القناعة الكافية لتقديس واحترام المساحات الشخصية، قررت اغلاق الموبايل وتركه في المنزل وبعد اقل من ساعة اخذت افكر في كل الاحتمالات السيئة الممكن حدوثها فكان اقلها كارثة ما في الشركة وكيف سيوصلون لي الخبر كي اعود للمنزل وأكمل نومي واكبرها موت وكيف سيوصلون لهم الخبر فتأكدت من وجود البطاقة الشخصية وتذكرت الـ"PIN" مرة اخرى وقلت "ما تأفوريش يا نور كده كده خربانة" 


*آرمستد ماوبين