الخميس، 29 يناير، 2015

بدل الشمس بتضوي شموس

"-وماذا جنيت بعد كل هذه الاعوام ؟
-كثير من الحب .. قليل من الأمل
-وماذا عن الوجع ؟
-الوجع والأمل متلازمان، متى تخلى عنك احدهما تمسك بك الأخر وان كان احدهما اشد تمسكا
-اذا "فكثير من الحب ... كثير من الوجع" ؟
-ربما
-ولكن ماذا فعلت بأشياء كالشوق والحنين ؟
-ما يفعله الصابرون"

كتب احدهم "فاتن حمامة ماتت يعني! ومفيش حاجة مستاهلة ." .. كانت سهاد اول من فكرت فيه بعدما تأكد الخبر لكن الوقت كان متأخرا وعندما استيقظت في اليوم التالي عدلت عن الفكرة فلا احب ان تكون اول مكالمة لنا بعد وقت طويل الموت سببها، عزائي الوحيد كان افلامها التي انتشرت على جميع القنوات قبل ان تتوقف لحدث الموت الأكبر والأهم سياسيا
المهم ان لا شيء باقٍ لا شيء يستمر وان الحياة ليس بهذا القدر الذي نظنه من الأهمية وان ليس من الضروري ان نمر بأكثر مما مررنا به كي نصل للسلام النفسي الذي ينبهنا -فقط- كي نعيش، نعيش قبل ان نمسك وردة نبحث بها على حق ضائع فنموت او قبل ما ان نكون ايقونة للحب والوقار والجمال وكذلك نموت او حتى قبل ما ان نكون كحاكم يختلف الناس وقت موته في الترحم عليه

اكره تلك المقابلات الشخصية الروتينية التي تذهب اليها وانت تعلم جيدا ماذا ستُسأل وكيف ستُجيب وان كنت اضرب بكل قواعد الاجابات النموذجية عرض الحائط واجيب حسب حالتي المزاجية وقتها ... سألني "ايه اكتر شخصيات بتكرهيها ؟" اجبته دون تفكير وبنبرة عتاب على السؤال نفسه "كلمة كره دي كبيرة اوي" وتذكرت رسالة وليد ابو دقة بصوت لَما " إنهم يفعلون كل شيء ليدفعونا كي نكرههم .. المستهدف هو الحب وذوقك الجمالي والإنساني .. أعترف الآن وفي عامي العشرين من الأسر بأني ما زلت لا أحسن الكراهية .. أعترف بأني ما زلت إنسانًا ممسكًا على حبه قابضًا عليه كما لو كان الجمر، وسأبقى صامدًا بهذا الحب" .. لا اجزم تفاخري بعدم كراهيتي لأحد، فلا اعلم ان كان شيء يدعو للتفاخر من الاساس
وددت لو سألني عن نفسي اكثر من ذلك، عن نقاط ضعفي وقراراتي وان كان فشلها اكبر من نجاحها، كنت ذاهبة بأقل من ربع طاقتي بعدما سلب مني الصداع المزمن الثلاثة ارباع الاخرى، كان بيني وبين الاعتذار اقل من دقيقة خصوصا بعدما حدث خطأ في ترتيب المواعيد
قررت ان اذهب وكأني ذاهبة لأجلس مع احد لااعرفه اتحدث معه عن كل شيء دون ان يسأل كيف مَن اين ولماذا واشكره في النهاية واعتذر لأني لم اعد اريد تلك الوظيفة .. لكنه لم يسأل، فقط تكبدت عناءالطريق والاستماع دون تركيز او فهم لشخص يستطيع التحدث لأكثر من ساعتين وربع دون كلل او ملل او حتى ندم.


اختلف الكثير حول ايمي بطلة فيلم Gone Girl، كرهتها صديقتي لبرودها -على حد قولها- لكن اعجبت بذكاءها  ودقتها في التحكم بكل التفاصيل البسيطة منها والمعقدة واحبتها الأخرى لأنها رأت الجانب الأخر من القصة، فكيف كانت والى اين وصلت ؟ كيف تنازلت عن طموح وذات وحقوق وفي النهاية مال ؟ اقتنعت برأيها بعض الشيء ولكن لماذا لم تحاول الانتقام بهذه القسوة الا بعد خسارة كل شيء ؟ لماذا وافقت على التنازل من البداية ؟ لماذ وقفت بهذا الجمود في كل مراحل السلب ؟ لماذا كان عليها الوصول لحالة "الصفر" كي تقرر العصيان ؟
كان شعور الخوف عندي اقوى من الرفض والقبول، اعلم ان لكل منا جانب مظلم كامن في مكان ما، نحاول اجهاض كل محاولاته للاستيقاظ واعتقد هذا ما لم تستطع ايمي فعله في تلك المرحلة من امتلاك اللاشيء، استيقظ جانبها المظلم كي يثبت انه مازال لديها الكثير حتى وان كان ذلك الكثير "انتقام" وحتى وان كانت المتضررة الأكبر منه، فدعوت الله "اكفينا شر الشر واحمينا من روحنا"


-ارجوكم محدش يطلب مني اروح المعرض، اولا لأنه من 2012 بيفكرني بذكرى مش حلوة ثانيا لأني بقالي 3 سنين بروحه وبرجع مش مبسوطة من الزحمة والحر ثالثا لأن اللي فيه موجود بره واللي مش موجود بره انا كده كده مش هدور عليه في الزحمة اللي بتكون هناك دي
-زي النهاردة من اربع سنين كانت البداية لكل حاجة، مش عارفة المفروض ابقى مبسوطة ولا لأ بس الأهم اني لسه فاكرة اليوم جدا
-في حاجة قوية بتخليني افتكرك الايام دي كتير وقلبي يتقبض فادعي ربنا "يارب خليه بخير وكمان خلي رانيا تبقى كويسة" 

الجمعة، 2 يناير، 2015

كخطوة أولى مكررة



لم أكن على قدر الثقة المطلوب فانسحبت مثلما لم يكونوا يوما بقدرها فانسحبوا، لم تكن المشكلة في الانسحاب انما عوارضه .. تلك التي ننام متمنيين نسيانها فتكون اول من نفتح عيوننا عليه صباح اليوم التالي.
نتذكر خيباتنا فيهم، عدم وجودهم وقت الاحتياج، تركهم لأيدينا بعد بثهم اليأس في كل محاولات التشبث بسواهم .. نتذكر تأثرنا بهم، لغة الترك التي سكنت ارواحنا بعدهم .. زهدنا في كل شيء .. تقبلنا للصدمات وانتظارنا لموجة خذلان جديدة منهم او ربما منا لا نعلم 
نقاوم ما استطعنا .. نحدث انفسنا ان اليوم افضل .. اننا قادرين على المحاربة مادمنا نحيا .. على محاولات البدء من جديد .. على تخطي حدود الغرفة والمضي الى مجهول جديد .. وثباتناالمفاجىء بعدها

صديقي/ اقف على حافة كل شيء، لا استطيع التمييز بين السيء والأسوأ .. اتذكر عتاب صديقتي لأكثر من ساعة على عدم سؤالي عليها حتى انتهت لأتجاهل كل ما قالت وابدأ حديث اعلم انه سينتهي في الجملة الثانية او الثالثة على الأكثر، لم اكن اعلم كيف اوصل لها ان العتاب يكون فقط مع من يقدره وانا لا استطيع كره الشيء وتقديره في الوقت ذاته فسألت عن احوالها وانتظرت لأتأكد ان "الحمد لله" .. اتذكر عصبيتي على صاحب الكشك لأن "جالاكسي رفعت الشيكولاتة" وضحكه الذي كان يحمل كثير من السخرية والاشفاق .. اتذكر تهربي بالخروجات ثم تهربي منها ومن كل من يمكن ان يتواجد بها .. اتذكر تليفوني و وضعه الصامت منذ شهور .. اتذكر ما حدث لأمي على غفلة منا وكسرتنا جميعا رغم كل محاولات التماسك .. اتذكر دخول وخروج الناس من دائرتي وعدم تأثري او اهتمامي في كلا الحالتين .. اتذكر ضعفي عندما رأيت تعبير تلك الفتاة عن مشاعرها تجاه شخص بكل ما تحمله كلمات العالم من قسوة ووجع وعدم قدرتي على فعل المثل لسبب ما مجهول

احدثه أن انتظار الصدمات وتقبل حدوثها امران مختلفان،اخبره عما فعلته حكايات الاخرين بنا وعن الحاجز الفولاذي الذي يزيد سمكا وطولا بيننا وبين العالم كلما اخبرنا احدهم عن خذلان ما او عن نسيان ما
نختلف على كيفية العيش بما نحمله من خوف و مررنا به من فقد ونتفق رغم كل شيء على اهمية الحب والحياة والاخرين وعلى ضرورة التمسك بالأمل والشغف والبدايات وعلى عدم التنازل عن أمانينا في استقبال عام آخر جديد

الصورة اقتباس من كتاب تلك العتمة الباهرة لـالطاهر بن جلون

الخميس، 4 ديسمبر، 2014

ظننا اننا لا نهتم

كان اسبوعاً من تلك الاسابيع الذي اذا قسَمت ايامها تولد لك اسابيع اخرى، باستثناء بهجة منتصف الاثنين بعدما جاءتني مكالمته .. لا يزال الأول ضمن قائمة صانعي الابتسامة، لا يزال يختلف كثيرا عن الباقيين، يشرب قهوته ..اُدير الملعقة في الكابتشينو خالي السكر .. يعلق مرة اخرى على النظام الغذائي الذي اتبعه منذ شهرين تقريبا .. أوضح مرة ثانية انه حفاظا على الصحة وليس انقاصا لوزن ينقص وحده منذ شهور .. يرد بأنه لا مشكلة ان مات في سن الخمسين مادام جرب كل شيء بحرية .. اضيف وما دمت في صحة جيدة.
لم نتحدث عن رضوى عاشور ولم نتحدث عن احداث السبت او الأحد ولم نتحدث عن ان كل شيء سيمر اوان الأفضل آتي ولا عن حبنا المشترك لأشعار مصطفى ابراهيم واختلافنا على اهمية قراءة الروايات .. لم نتحدث من الأساس، ورغم ذلك كانت المرة الأولى التي اوشك فيها على البكاء امامه قبل ان يخترع موضوعاً جديداً ينهي به احتمالية انهيار أول منذ تعارفنا ولا اعرف حتى الآن كيف تحول الموقف للعب Dots and Boxes

كان معي في بداية الاسبوع ينظر لي بنظرة أمل يسيطر الخوف على الجزء الأكبر منها وابتسم له بنظرة ملأها اليأس والعار .. توقفنا عن استماع تلك الدباجة بعد اول جملتين كي لا نفقد القدرة على التماسك او ربما كنا فقدناها بالفعل، تحججت بكوب النسكافيه الصباحي فتركته وحده، عدت لأجد نظرة يأس خالية من اي امل، فقط رجاء بعدم الخذلان .. تهربت مرة اخرى بذرات التراب الموجودة على شاشة التليفزيون، كنت ازيلها ليس من الشاشة فقط ولكن مِن مَن بداخلها، احرك المنديل يمينا ويسارا وانا ارجو الله ان يزيل تلك الغشاوة من ذلك القلب -إن وُجِد- ومن تلك الأعين إن كانت مازالت على الرؤية قادرة
طلب منهم الصمت فصمت معهم، تحدث وحده .. كان حديثا جامداً جاحداً قاسياً، كانت كل جملة تؤكد على عدم بشرية ذلك المجسم، انظراليه بطرف عيني فأراه بعيداً، انظر اكثر اراه ابعد .. حتى اختفى قبل ان ينطق هو اخر كلماته
اختفى ليؤكد حقيقة واحدة .. هو ليس هنا وهم ما زالوا بيننا يحدقون بنا بأعين وقحة ونحن لا نزال اماكننا منذ تركنا وذهب في المرة الأولى
فكتبت له رسالة أخيرة
 
"عزيزي /
سلامي إليك حيث النقاء،
لا تصدق احدا قال لك يوما انه لا يهتم لا تصدقني عدد المرات التي قلتها لك كي اقنع نفسي بها قبل ان اقنعك، فالحقيقة اننا نهتم، نهتم كثيرا يا صديقي .. الحقيقة اننا ظننا انفسنا نجونا من تلك السنوات رغم ما تركته من علامات في ارواحنا .. الحقيقة اننا كنا- و مازلنا- نتباهى بأكثرنا براعة في ترك الامور .. لكن اكثر الحقائق حقيقة كانت حين استيقظنا على تلك الصفعة، علمنا ان علامات ارواحنا تحولت لجروح، جروح عمقها اقوى كثيرا من اي قدرة تناسي امتلكناها يوما، علمنا ان اكثرنا وجعا هو اكثرنا اظهارا تركه للأمور."